محمود توفيق محمد سعد
24
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
" ابن قاضي عجلون " هو وتلاميذه عن " البقاعي " بل يعتدي بعض الناس على البقاعيّ بسبب ذلك « 1 » يبتلى في القاهرة بفتنة ابن عربيّ وابن الفارض ، ويبتلى في دمشق بفتنة : " ليس في الإمكان أبدع مما كان " ولكنه لا يخضع إلا للحق الذي يراه بالدليل من الكتاب والسنة ويؤمن به . وفي مقامه بدمشق يؤلف بعض أسفاره ورسائله ويحرر ، ويبيض نسخته الأخيرة من تفسيره " نظم الدرر " ، ويفرغ من هذا التحرير في عصر يوم الأحد عاشر شعبان سنة اثنتين وثمانين وثمان مائة بمنزله الملاصق للمدرسة " البادرائية " بدمشق أي من قبل وفاته بثلاث سنوات « 2 » ست وسبعون سنة عاشها البقاعيّ مكابدا لا يلين ولا يتوانى ولا يكلّ ، عرف قدر الحياة وعظيم ما هو مقدم عليه من ملاقاة ربّه جلّ جلاله وسؤاله عن عمره فيم أنفقه ، فسعى إلى أن يعدّ لهذا السؤال الجليل جوابا لا يندم به ولا يخزى . ولو أنّ كلّ واحد منّا شغله البحث عن إجابة حميدة عن هذا السؤال الإلهيّ له يوم القيامة لما وجدت مسلما مستهترا بقتل أوقات فراغه ، ولا مستهلكا عمره فيما لا يبقى له منه شيء حميد مجيد عند شدّ الرّحال إلى مصيره . قد بقي للبقاعيّ - إن شاء اللّه تعالى ، ولا أزكي على اللّه عزّ وجلّ أحدا - مجاهدته في إقامة منهاج جليل لتأويل البيان القرآني تأويلا يهدي إلى العرفان ببعض معالم الإعجاز القرآني العظيم ، ويهدي إلى العرفان ببعض لطائف حقائق معاني الهدى إلى الصراط المستقيم ، فيرتقى المرء بهذا العرفان في مقامات القرب من رب العالمين ، ويتنقل في أسنان الطاعة من مطلع الإيمان ( الذين آمنوا ) إلى مقطعه ( المؤمنون ) ومنه إلى مطلع التقوى ( الذين اتقوا ) ثم إلى مقطعها ( المتقون ) ليلج من بعد إلى سن الإحسان ( الذين أحسنوا ) ، فيعبد اللّه تعالى موقنا أنّ اللّه تعالى يراه فلا يلتفت إلى سواه ثم إلى مقطع الإحسان ( المحسنون ) فيعبد اللّه سبحانه وتعالى كأنه يرى ربه تعالى ، فيذوق لذة القرب والأنس بطاعة رب العالمين . * * * * * * *
--> ( 1 ) - الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي المكي : ص 4 - ط : 139 - مصطفى الحلبي القاهرة ( 2 ) - نظم الدرر : ج 22 ص 443 ، تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان للبقاعي - لوحة 25 - مخطوط مصور بالخزانة الزكية بدار الكتب الممصرية رقم / 34 ، والبدر الطالع للسخاوي : ج 1 / 21 ، شذرات الذهب : 8 / 158